الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هي كثيرة فلكثرتها جيء لها بجمع الجمع الدال على الكثرة ، أي ولو نسب إلينا قليلا من أقوال كثيرة صادقة يعني لو نسب إلينا شيئا قليلا من القرآن لم ننزله لأخذنا منه باليمين ، إلى آخره . ومعنى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ لأخذناه بقوة ، أي دون إمهال فالباء للسببية . واليمين : اليد اليمنى كني بها عن الاهتمام بالتمكن من المأخوذ ، لأن اليمين أقوى عملا من الشمال لكثرة استخدامها فنسبة التصرف إليها شهيرة . وتقدم ذلك في مواضع منها قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ في سورة البقرة [ 224 ] وقوله : وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ في سورة الأعراف [ 17 ] وقوله : وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ في سورة العنكبوت [ 48 ] . وقال أبو الغول الطهوي : فدت نفسي وما ملكت يميني * فوارس صدّقوا فيهم ظنوني والمعنى : لأخذناه أخذا عاجلا فقطعنا وتينه ، وفي هذا تهويل لصورة الأخذ فلذلك لم يقتصر على نحو : لأهلكناه . و مِنْهُ متعلق ب ( أخذنا ) تعلق المفعول بعامله . و ( من ) زائدة في الإثبات على رأي الأخفش والكوفيين وهو الراجح . وقد بينته عند قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ [ الأنعام : 99 ] ، فإن النَّخْلِ معطوف على خَضِراً بزيادة من ولولا اعتبار الزيادة لما استقام الإعراب إلّا بكلفة ، وفائدة من الزائدة في الكلام أن أصلها التبعيض المجازي على وجه التمليح كأنه يقول : نأخذ بعضه . و الْوَتِينَ : عرق معلّق به القلب ويسمى النياط ، وهو الذي يسقي الجسد بالدم ولذلك يقال له : نهر الجسد ، وهو إذا قطع مات صاحبه وهو يقطع عند نحر الجزور . فقطع الوتين من أحوال الجزور ونحرها ، فشبه عقاب من يفرض تقوّله على اللّه بجزور تنحر فيقطع وتينها . ولم أقف على أن العرب كانوا يكنّون عن الإهلاك بقطع الوتين ، فهذا من مبتكرات القرآن . و مِنْهُ صفة للوتين ، أو متعلق ب ( قطعنا ) ، أي أزلناه منه .